الإرادة السياسية شرط النجاح.. موريتانيا على أبواب حوار وطني

ثلاثاء, 06/01/2026 - 12:33

بعد أشهر من الصمت السياسي، تحرّكت طاولة الحوار في نواكشوط قبل أن تتحرّك الثقة. 40 كرسيا دُعي شاغلوها من الموالاة والمعارضة للجلوس حول خارطة طريق جديدة، في وقت لا تزال فيه الشكوك أثقل من الوعود. وبين دعوة رئاسية تبحث عن اختراق، وأصوات مناوئة تتوجس من التكرار، يعود الحوار الوطني كعنوان كبير محاط بسؤال واحد: هل تغيرت قواعد اللعبة السياسية حقا.. أم تغيّرت فقط طريقة إدارة الأزمة؟

وبين هذين الاحتمالين، يتقاطع تقييم محللين سياسيين تحدثا لـ"الأيام نيوز" عند فكرة محورية مفادها أن نجاح أي حوار وطني لا يُقاس بعدد المدعوين أو بتوازن التمثيل الشكلي، بقدر ما يرتبط بتوفر إرادة سياسية واضحة، وضمانات مُلزمة، وآليات تنفيذ تحوّل مخرجات الحوار من توافقات نظرية إلى إصلاحات ملموسة على أرض الواقع.

هذا التحرك، الذي يأتي بعد أشهر من الركود السياسي وتصاعد الاتهامات المتبادلة بين السلطة وأطراف المعارضة، يفتح باب التساؤل مجددا حول جدية المسار المطروح: هل نحن أمام محاولة فعلية لإحياء حوار وطني شامل يعالج أزمات النظام السياسي؟ أم أن الأمر لا يتجاوز كونه خطوة رمزية تهدف إلى امتصاص التوتر واحتواء الضغط السياسي المتنامي؟

ملفات شائكة على طاولة الحوار.. الضمانات شرط النجاح

وبحسب المعطيات المتداولة، من المنتظر أن يتركز النقاش خلال الاجتماع حول ملفات حساسة تتعلق بالإصلاحات السياسية والانتخابية، وقضايا الوحدة الوطنية، والمنظومة الحقوقية، في مسعى لصياغة أرضية توافقية تجمع مختلف الفاعلين. غير أن غموض التوقيت، وغياب الضمانات المعلنة حتى الآن، يجعلان من هذا اللقاء محطة اختبار حقيقية لمدى استعداد السلطة للذهاب نحو حوار جاد ومُلزم، قادر على إحداث اختراق في المشهد السياسي المأزوم.

في هذا السياق، يصرح الإعلامي الموريتاني، شريف ولد العربي لـ"لأيام نيوز"، بأن نجاح الحوار الوطني المرتقب في موريتانيا لن يكون ممكنا إلا بتوفر مجموعة من الضمانات العملية والسياسية التي تجعل هذا المسار مختلفا عن المحاولات السابقة. وأكد أن أي حوار جاد يبدأ بإرادة رئاسية واضحة ومعلنة تُترجم إلى أفعال ملموسة، لا تكتفي بالدعوات الرمزية، مشددا على أهمية أن يرافق اللقاء التمهيدي تعهد صريح من الرئيس، محمد ولد الشيخ الغزواني، باحترام مخرجات الحوار والعمل على تنفيذها ضمن آجال زمنية محددة.

وأضاف شريف ولد العربي أن مبدأ شمولية التمثيل يعد ركيزة أساسية لنجاح الحوار، فالخطوة الحالية المتمثلة في دعوة 40 شخصية تمثل أحزاب الموالاة والمعارضة إيجابية لكنها غير كافية إذا لم تُوسع لاحقا لتشمل الأحزاب غير الممثلة برلمانيا ومنظمات المجتمع المدني والنقابات المهنية، إلى جانب الشخصيات الوطنية المستقلة، لأن أي حوار يستثني أطرافا فاعلة يفقد جزءا كبيرا من شرعيته ومصداقيته.

ولفت الإعلامي إلى أن تحديد جدول أعمال واضح ومُلزم يمثل شرطا رئيسيا لنجاح الحوار، إذ يجب حصر النقاش في القضايا الجوهرية مثل الإصلاح الدستوري، المنظومة الانتخابية، استقلال القضاء، وحياد الإدارة، مع ضمان أن تكون توصيات الحوار نهائية وملزمة، لا مجرد آراء قابلة للتأجيل أو التجاهل. وأكد في الوقت ذاته على أهمية إنشاء لجنة وطنية مستقلة تحظى بثقة جميع الأطراف لتسيير الحوار وتوثيق مخرجاته ومتابعة تنفيذها، وربط هذه المخرجات بإصلاحات قانونية مباشرة أو استفتاءات شعبية عند الضرورة.

وأشار شريف ولد العربي إلى أن ضمان الشفافية والتواصل المستمر مع الرأي العام يمثل عنصرا حاسما في إنجاح المسار، موضحا أن الرأي العام شريك أساسي في أي حوار وطني، وأن نشر محاضر الجلسات وإطلاع المواطنين على مستوى التقدم في تنفيذ المخرجات يشكل ضغطا إيجابيا يمنع الالتفاف على النتائج.

وختم بالقول إن لقاء بعد غد الخميس يمكن أن يشكل منعطفا سياسيا حقيقيا إذا ما اعتُبر خطوة تأسيسية لحوار وطني شامل وملزم، مؤكدا أن الفرق هذه المرة لن تصنعه الدعوات ولا الأسماء، بل الضمانات الواضحة والآليات الفعالة والالتزام الصادق بتحويل التوافقات إلى واقع ملموس.

دعوات الـ40.. خطوة أولى أم مناورة؟

من جانبه، يرى الخبير الاستراتيجي الموريتاني عبد الله ولد بوناه أن تشكيلة الـ40 شخصية المدعوة للمشاركة في الحوار الوطني تمثل خطوة أولية، لكنها تثير في الوقت ذاته تساؤلات جوهرية حول مدى صدقية الإرادة السياسية على أعلى مستوى في فتح مسار تشاوري جامع يضم مختلف الأطياف السياسية والمجتمعية.

وأكد ولد بوناه، في حديثه مع "الأيام نيوز"، أن عدد المشاركين وتوزيعهم بين الموالاة والمعارضة يمكن أن يشكل مؤشرا أوليا لقياس جدية الحكومة في إطلاق حوار حقيقي، موضحا أن أي مسار وطني ناجح يحتاج بالضرورة إلى إرادة سياسية صريحة تُترجم إلى أفعال ملموسة.

وقال إن دعوة 20 شخصية من أحزاب الأغلبية وعشرين شخصية من المعارضة، رغم كونها مؤشرا على محاولة تحقيق توازن، تظل محدودة إذا لم تشمل الأحزاب غير الممثلة برلمانيا، ومنظمات المجتمع المدني، والنقابات المهنية، إلى جانب الشخصيات الوطنية المستقلة، لأن نجاح الحوار الوطني مرتبط بشموليته وشرعيته في إدماج كل الأطراف الفاعلة.

وأضاف عبد الله ولد بوناه أن أي حوار وطني جاد يجب أن يبدأ بتعهد واضح من الرئاسة باحترام مخرجاته والعمل على تنفيذها ضمن آجال زمنية محددة، مشددا على أن غياب هذا الالتزام يحوّل أي لقاء إلى مجرد عملية شكليّة لإدارة الرأي العام دون تحقيق نتائج ملموسة.

وأوضح أن التجارب السابقة أثبتت أن الحوارات الوطنية التي لم تصاحبها إرادة سياسية قوية وشفافة غالبا ما تفشل في الوصول إلى حلول مستدامة، وقد تتحول إلى مناسبات لتأجيل القرارات أو إعادة إنتاج الخلافات نفسها بين السلطة والمعارضة.

وأشار ولد بوناه إلى أهمية تحديد جدول أعمال واضح ومركز على القضايا الجوهرية، مثل الإصلاح الدستوري، المنظومة الانتخابية، استقلال القضاء، وحياد الإدارة، مع ضمان أن تكون التوصيات النهائية للحوار ملزمة وليست مجرد اقتراحات قابلة للتأجيل أو التجاهل. واعتبر أن غياب أجندة دقيقة كان أحد أبرز أسباب تعثر الحوارات السابقة، مؤكدا أن تحديد المواضيع الجوهرية مسبقا يمنح الحوار مصداقية ويعطي المشاركين وضوحا حول الأهداف المنشودة.

كما شدد عبد الله ولد بوناه على ضرورة إنشاء لجنة وطنية مستقلة تحظى بثقة جميع الأطراف، تتولى تنظيم الحوار، توثيق مخرجاته، ومتابعة تنفيذها، محذرا من أن أي حوار يفتقر إلى آليات متابعة صارمة يبقى عرضة للتأجيل أو التسويف، ويفقد شرعيته لدى الرأي العام. وأضاف أن ربط مخرجات الحوار بإصلاحات قانونية مباشرة أو استفتاءات شعبية عند الضرورة يمثل خطوة أساسية لضمان أن تتحول التوافقات إلى واقع ملموس على الأرض.

وعن الشفافية، أشار ولد بوناه إلى أن التواصل المستمر مع الرأي العام ونشر محاضر الجلسات وإطلاع المواطنين على التقدم في تنفيذ المخرجات يمثل عنصرا حاسما في بناء الثقة، ويشكل ضغطا إيجابيا يمنع الالتفاف على النتائج. وختم بالقول إن نجاح الحوار الوطني القادم لن يُقاس بالأسماء أو الدعوات، بل بالضمانات الواضحة، والآليات الفعالة، والالتزام الصادق بتحويل التوافقات إلى إصلاحات فعلية تخدم تطلعات المواطنين، معتبرا أن لقاء الخميس المقبل قد يشكل فرصة تأسيسية لمرحلة جديدة من المسار الديمقراطي إذا ما استوفيت هذه الشروط

محمد بوحفص