الإرث الإنساني/ دعوة إلى العقلانية والمسؤولية الوطنية الجماعية

خميس, 19/03/2026 - 13:01

"لا تزال قضية الانتهاكات الإنسانية السابقة - التي اتسمت بعمليات القتل خارج نطاق القضاء والاختفاء القسري والانتهاكات الجسيمة التي ارتُكبت بين عامي 1990 1992 ضد الجنود السود والمدنيين والمجتمعات المحلية في وادي النهر - تُعدّ من أعمق جراح موريتانيا المعاصرة".

ذلك ما جاء في مقال لهاديه أمادو كن تحت عنوان "الإرث الإنساني/ دعوة إلى العقلانية والمسؤولية الوطنية الجماعية - المجدد اليومي - من أجل ذاكرة عادلة ومصالحة دائمة"، نورده كاملا في ما يلي :

الإرث الإنساني/ دعوة إلى العقلانية والمسؤولية الوطنية الجماعية

المجدد اليومي - من أجل ذاكرة عادلة ومصالحة دائمة"

1. مقدمة

لا تزال قضية الانتهاكات الإنسانية السابقة - التي اتسمت بعمليات القتل خارج نطاق القضاء والاختفاء القسري والانتهاكات الجسيمة التي ارتُكبت بين عامي 1990 1992 ضد الجنود السود والمدنيين والمجتمعات المحلية في وادي النهر - تُعدّ من أعمق جراح موريتانيا المعاصرة.

ورغم المحاولات السياسية العديدة، لا يزال هذا الفصل المؤلم عالقًا دون حل وحساسًا ومصدرًا لانقسامات وطنية مستمرة.

ومع ذلك، فإن البلاد تمضي قدماً، لكن الندوب لا تزال في أذهان الناس، على الرغم من أنها غير مرئية مادياً: فالذاكرة المجروحة تتحدى الضمير الجمعي لأن هذا الإرث الإنساني، الذي يمتد لأكثر من ثلاثين عاماً، لا يزال يطارد الحاضر.

2. التدابير الأولية للتعويضات في عهد محمد ولد عبد العزيز

خلال رئاسة السيد محمد ولد عبد العزيز، بدأت عملية جزئية للتعويضات، لا سيما من خلال:
إقامة صلاة الجنازة على أرواح الضحايا وخاصة في كيهيدي.
صرف التعويضات لمئات العائلات والضحايا والناجين من تلك الحقبة المظلمة في تاريخ البلاد.

كان ذلك بمثابة اعتراف رمزي، وإن كان محدوداً، بالمعاناة التي تكبدها الضحايا. وكان عزيز قد أعلن حينها أنه "سوّى القضية". إلا أن جمعيات الضحايا والعديد من منظمات المجتمع المدني اعترضت على هذا الادعاء، مذكرة الجميع بأن المال لا يمكن أن يحل محل العدالة أو الحقيقة.

3. إحياء الرئيس الحالي للقضية.

تعهد الرئيس محمد الشيخ ولد الغزواني بمعالجة هذا الدين الإنساني وإعادة طرح القضية على الساحة الوطنية. وأعلن عن ميزانية قدرها 27 مليار أوقية لتعويض أسر الضحايا وأيتامهم.

أثارت هذه المبادرة الجديدة ردود فعل متباينة: فبينما يراها البعض عملاً من أعمال المسؤولية السياسية، يراها آخرون تكراراً للماضي، واختزالاً لمشكلة معقدة إلى مجرد تعويض مالي آخر. وقد أعادت هذه المبادرة إشعال النقاشات وأثارت المزيد من التساؤلات.

4. المطالب المستمرة لجمعيات الضحايا.

تؤكد جمعيات الضحايا مجدداً أن الأزمة الإنسانية لا يمكن حلها دون عملية عدالة انتقالية تشمل : تحقيق العدالة في الجرائم المرتكبة ؛
الحقيقة الكاملة: الوصول إلى الأرشيفات، والاعتراف الرسمي بالمسؤولية؛
إحياء ذكرى وطنية لتعزيز واجب التذكر؛
ضمانات عدم التكرار من خلال إصلاحات مؤسسية.
تبقى هذه المطالب قائمة ومشروعة، ولم تُلبَّ بعد.

5. مجتمع منقسم بسبب سياسات الهوية

إن فكرة "تسوية" القضية بالمال فقط تُثير انقسامًا حادًا: فمنهم من يرى أن الوقت قد حان لطي صفحة الماضي والمضي قدمًا، ومنهم من يعتقد أن تجاهل الحقيقة والعدالة لا يُؤدي إلا إلى إطالة أمد الجراح، بينما يخشى آخرون أن يُعيد فتح هذا الماضي إشعال التوترات المجتمعية الحساسة أصلًا. ولا يزال النقاش محتدمًا دون توافق في الآراء.

6. نحو نهج اجتماعي جديد أكثر كرامة، وضرورة التحلي بالشجاعة السياسية

السؤال المحوري المطروح اليوم بسيط ولكنه عميق: هل ينبغي لنا الاستمرار في إعطاء الأولوية للتعويضات، أم أن نبدأ أخيراً عملية عدالة انتقالية شاملة ؟
يمكن استكشاف سبل موثوقة وتطبيقها، لا سيما من خلال :

إنشاء لجنة مستقلة لبناء توافق وطني حقيقي بشأن المصالحة. يمكن أن تشرف على هذه اللجنة، التي تُنشئها الحكومة، وزارتا العدل والشؤون الدينية معًا. وستتألف من ممثلين عن أسر الضحايا، ومنظمات حقوق الإنسان، وبعض منظمات المجتمع المدني الوطنية (نساءً ورجالًا)، يتم اختيارهم بناءً على معايير النزاهة الأخلاقية. سيتم تحديد خارطة طريق واضحة ودقيقة وشروط مرجعية : زيارة مجتمعات أسر الضحايا والتواصل معهم ونشر الوعي، بهدف تحقيق ما يلي، بما يخدم المصلحة الوطنية لا سيما :
إقامة أيام وطنية لحوار الحقيقة والعدالة والمصالحة ؛
إنشاء نصب تذكاري لإحياء ذكرى الاعتراف والغفران ؛
تنفيذ التدابير المناسبة وإجراء الإصلاحات المؤسسية لمنع تكرار مثل هذه الأحداث، مع الدعوة إلى الوضوح والشفافية والوحدة الوطنية من أجل المسؤولية الجماعية.
الإنصاف المعنوي وأشكال التعويض، والامتيازات والمزايا الممنوحة لأسر الضحايا (مع إعطاء الأولوية للتوظيف، وتخصيص الأراضي، والتعليم، والرعاية الصحية... والحصول على قروض استثمارية بأسعار رمزية تضمنها الدولة، إلخ ...).

موريتانيا، إلى جانب إرثها الإنساني، تمر بفترة عصيبة وتواجه أوضاعاً غير مسبوقة تتسم بما يلي:
يعاني غالبية المواطنين من غلاء المعيشة المتزايد ؛
وتتكرر المشاكل الأمنية وأعمال السطو في ضواحي المراكز الحضرية الرئيسية، فضلاً عن المخاوف الأمنية العامة؛
وتسود حالة من الاضطراب الاجتماعي العميق، غالباً ما يُكتم بالصمت ؛
ويُعدّ التركيز على أولويات التكيف وتحسين أنظمة الإنذار المبكر، وتعزيز مرونة القطاع الزراعي والإدارة المتكاملة للموارد الطبيعية المتضائلة وإرساء حوكمة بيئية حقيقية، أمراً بالغ الأهمية.

إدارة المياه واستصلاح الأراضي المتدهورة ؛

حماية المدن الساحلية (نواكشوط ونواذيبو) من التعرية البحرية وازدحام المناطق الحضرية الرئيسية (عواصم المحافظات) بسبب النفايات المنزلية والبلاستيكية ؛
مكافحة زحف الرمال والتعرية بفعل المياه والرياح ؛
مكافحة الاستغلال المفرط للموارد الحرجية ؛
تكثيف جهود إعادة التشجير، مع التطبيق الصارم للقوانين واللوائح الوطنية السارية في البلاد.

يُضاف إلى كل هذه الأوضاع تدمير البنية التحتية، وضعف أنظمة الرعاية الصحية، وتخلف شبكات الأمان الاجتماعي.
هذه كلها مخاوف ملحة وهامة تستدعي الوحدة الوطنية. وهي في جوهرها قضايا أساسية ذات معايير معقدة وغامضة إلى حد كبير، تتطلب التكيف على جميع المستويات. يجب أن ندرك أن "التكيف ليس خيارًا، بل هو، الآن أكثر من أي وقت مضى، بل وأكثر أهمية في المستقبل، شرط أساسي لبقاء أعداد متزايدة من سكان الريف والحضر في بيئة تُعاني من هذه الآفات المذكورة آنفًا".
في مواجهة هذه التحديات، يجب أن يُسهم الخطاب العام في التخفيف من حدة المعاناة، وتنوير الرأي العام، وتوحيد الصفوف، لا في تفاقمها، مع تعزيز الرؤية الواضحة، والانفتاح الفكري، والشعور القوي بالتضامن.

1. الوضوح يعني مواجهة الواقع.
يتطلب ذلك شجاعة سياسية، ويستلزم رفض الإنكار مع الإقرار بصمود الشعب الموريتاني المثير للإعجاب. ولكنه يعني أيضاً إدراك أن هذا الصمود، إذا ما استمر لفترة طويلة وامتد على مساحة شاسعة، قد يتحول إلى استسلام، وهو ما قد يُنذر بثورات، والتي بدورها قد تؤدي إلى القمع.

يجب كسر هذه الحلقة المفرغة، بوضوح ومسؤولية، من خلال حوار مفتوح دون استسلام.
لذا، علينا مواجهة الواقع، لأن البلاد لا تملك الآن سوى استراتيجية بيئية ومناخية حاسمة لمستقبل أنشطتها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية: التكيف. وعليه، سيكون من غير المسؤول أن يغفل المواطنون عن هذه الاستراتيجية، وأن يتقاعسوا عن الاستعداد الآن لسيناريو مناخي "معاكس" تواجهه البلاد دون استعداد، على عكس دول أخرى في القارة الأفريقية، ثم في العالم أجمع.

2. الانفتاح على الحوار: يعني هذا الاتفاق على التحدث والاستماع المتبادل دون المساس بالكرامة، كما يُقال.
إن التحدث والاستماع من خلال "الحوار الشامل" ليس ضعفًا ولا استسلامًا، لأن الانفتاح من خلال الاستماع للآخرين يتطلب قبول حوار بنّاء، حتى مع من حملوا السلاح. إنه نهج اجتماعي استراتيجي لإنقاذ الأرواح وإحلال السلام. الحوار هو "تفاوض" يجب أن يكون منهجيًا، ومبنيًا على أسئلة جوهرية :

ما الذي سيتم التفاوض عليه ؟ يُحدد ذلك من خلال بنود مرجعية واضحة ؛
مع من ؟ تحديد جميع الأطراف المعنية، من البداية إلى النهاية، المشاركة في "الحوار" المذكور؛ متى ؟ أين ؟ تحديد جدول الأعمال والتاريخ والمكان ؛
مع أي فريق تفاوض؟ الأطراف المعنية الرئيسية، من البداية إلى النهاية، المشاركة في عملية تسوية الديون؛
بأي حجج؟ القضايا المتعلقة بالانتهاكات (التعذيب، والوفيات، وجميع أنواع الإذلال المعنوي والجسدي، إلخ…).

ما هي الخطوط الحمراء؟ تجنب "إثارة الشياطين" من خلال توظيف وحدة القلوب من أجل طريق الخلاص الوطني؛ وقد أوصت المشاورات الوطنية لعام 2016 بذلك بالفعل من خلال "صلاة كيدي". لكن هذه الصلاة لم تكن مُعدة بشكل جيد. فقد فشلت في استشارة الضحايا الحقيقيين أولاً: الأرامل والأطفال والورثة والممثلين الشرعيين، وكذلك في اللجوء إلى حسن النية الوطنية (الوساطة وقادة الرأي والجماعة وشخصيات ذات نزاهة أخلاقية معترف بها) وآليات الوساطة التقليدية والدينية الخاصة بالواقع الاجتماعي والثقافي، فضلاً عن الجهات الفاعلة من المجتمع المدني الوطني في البلاد ؛

3. الوحدة : سبيل العظمة الوطنية
عندما تواجه الأمم المحن، تكمن قوتها في قدرتها على التوحد. وتوحيد الموريتانيين يعني :
ضمان العدالة والتماسك الاجتماعي وتكافؤ الفرص في الوصول إلى الخدمات والمؤسسات العامة (المدنية والعسكرية) ؛
تمكين المجتمع المدني من ممارسة دوره الكامل كجهة رقابية وطنية ؛
مكافحة الظلم والإفلات من العقاب والتمييز بشكل ملموس، مع إعطاء الأولوية للكفاءة والنزاهة ؛
إعادة تأكيد الأسس الأخلاقية والروحية لبلادنا، المستلهمة من مبادئ الإسلام. وهذا تذكير تاريخي بمؤتمر التأسيس في موريتانيا (1958)، الذي سُميت فيه الجمهورية الإسلامية الموريتانية، وهو اسم اقترحه بالإجماع مندوبو الشيخ الراحل الشيخ سعدبوه كن، رحمه الله وأدخله جنة الفردوس.
إطلاق سراح سجناء الرأي ؛
تيسير عودة المنفيين الذين لا يواجهون إجراءات قانونية ؛
ضمان محاكمة عادلة ونزيهة للمُحاكمين.

ستخرج موريتانيا العادلة والمُصالحة أقوى وأكثر مرونة واستقرارًا على المدى البعيد. إن إدارة الأزمات الدائمة ليست حلًا ولا استراتيجية للمستقبل.

4. الخاتمة : نداءٌ عميقٌ، متجذرٌ في الإيمان واليقين
إنّ ما سبق ذكره ليس مجرد ظرفي، بل هو تعبيرٌ عن قناعاتٍ راسخة، مسترشدةٍ بالمبادئ الأخلاقية والإنسانية والروحية للدين الإسلامي، الذي هو مرجعنا المشترك.

نسأل الله أن يُمهّد هذا النداء، الذي لا يقتصر على العقل فحسب، بل يشمل العدل والوحدة أيضاً، الطريق أمام موريتانيا مُصالحة. وهذا، إلى جانب استتباب السلام، سيُمكّن البلاد من التطلع إلى المستقبل، وهي أكثر استعداداً لمواجهة التحديات الأمنية والغذائية والبيئية العديدة التي تواجهها. وأخيراً، ندعو البلاد وشعبها، على اختلاف فئاتهم الاجتماعية والثقافية، إلى تحمّل المسؤولية التاريخية، والاضطلاع بمسؤولياتهم من خلال مساهماتهم الفردية والجماعية. وهذا ضروري، أولاً، لتيسير حلّ هذه الأزمة الإنسانية المُستمرة منذ زمنٍ طويل، وثانياً، لمعالجة تغيّر المناخ، والأهم من ذلك، لدعم البلاد في بناء قدرات تكيف طويلة الأمد مع الأضرار القائمة، والتي، وفقاً للسيناريوهات الحالية، تُنذر بأن تصبح غير قابلةٍ للإصلاح.

بقلم هاديه أمادو كن
هاتف : 43464628