رسالة مفتوحة الي رئيس الجمهورية ...من أجل تهدئة سياسية مستدامة

أربعاء, 22/04/2026 - 01:39

رسالة مفتوحة الي فخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني ...من أجل تهدئة سياسية مستدامة: ، السيد محمد ولد الشيخ الغزوانيمن أجل تهدئة سياسية مستدامة: نحو استئناف الحوار خدمةً للمصلحة العليا للأمة
فخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني،
تمرّ الأمم، في مسارها السياسي، بلحظات دقيقة تستدعي خطاباً يرتقي إلى مستوى التحديات، لا ليعمّق الانقسامات، بل ليسهم في تجاوزها. وفي هذا السياق، تأتي هذه الرسالة المفتوحة بوصفها نداءً صادقاً، يجمع بين الاحترام والمسؤولية، داعياً إلى خيار سياسي أنتم، دون غيركم، الأقدر على تجسيده: خيار الحوار مع من أفرزته الوقائع السياسية «أولَ المعارضين».
لقد أثارت الرسالة المفتوحة التي وُجّهت مؤخراً إلى النائب بيرام الداه اعبيد، والتي دعت إلى تغليب الأمن الجماعي للموريتانيين على الدفاع عن قضية بعينها، هي قضية الحراطين، نقاشاً واسعاً في الرأي العام، ولم يكن موطن الإشكال في جوهر الطرح بقدر ما كان في الإيحاء بوجود تعارض بين متطلبين أساسيين: التماسك الوطني من جهة، والعدالة الاجتماعية من جهة أخرى، وهما في الحقيقة ركيزتان متلازمتان لا ينبغي الفصل بينهما.
فخامة الرئيس،
لقد تميّزت تجربتكم في الحكم، منذ بدايتها، بنهج قائم على التهدئة، والحوار، والسعي إلى بناء توافق وطني. وقد جسّدت الخطوات الأولى من مأموريتكم هذا التوجّه، حين فُتحت قنوات التواصل مع مختلف الفاعلين السياسيين، بما في ذلك أكثرهم نقداً، في سابقة عكست إرادة واضحة في تجاوز منطق الإقصاء.
واليوم، وفي ظل تحولات داخلية وإقليمية متسارعة، تبرز الحاجة إلى تجديد هذا النهج وتعزيزه. فقد نجحت موريتانيا، تحت قيادتكم، في ترسيخ قدر معتبر من الاستقرار المؤسسي، في محيط إقليمي يتسم بالهشاشة والاضطراب. كما اكتسبت البلاد مصداقية متزايدة على الصعيد الدولي، خاصة في مجال الأمن ومكافحة التهديدات العابرة للحدود، إلى جانب تحقيق قدر من التوازن في الأداء الاقتصادي رغم التحديات.
ويُضاف إلى ذلك توفر أغلبية سياسية مريحة، مدعومة بحزب حاكم أعيد تنظيمه وتعزيزه، وبحكومة تتبنى مقاربة واقعية في تسيير الشأن العام. وهذه المعطيات مجتمعة تمنحكم هامشاً واسعاً لاتخاذ مبادرات سياسية جريئة دون خشية من زعزعة الاستقرار.
في هذا الإطار، تبرز مسألة العلاقة مع المعارضة، لا بوصفها إشكالاً تقنياً، بل باعتبارها رهاناً سياسياً بامتياز. وهنا تبرز حقيقة لا يمكن تجاهلها: المكانة التي بات يحتلها النائب بيرام الداه اعبيد في المشهد السياسي، بصفته أبرز معارض، وهي مكانة كرّستها نتائجه في الاستحقاقات الرئاسية الثلاثة الأخيرة.
فبغضّ النظر عن التقييمات المختلفة لمواقفه أو أساليبه، فإن ما حققه من حضور انتخابي يعكس تمثيلاً حقيقياً لشريحة معتبرة من المجتمع. ومن شأن تجاهل هذه الحقيقة أو التقليل من أهميتها أن يُحدث فجوة بين الواقع السياسي والاجتماعي. في المقابل، فإن الاعتراف بها، دون تبنٍّ بالضرورة لكل ما يطرحه، يمكن أن يشكل مدخلاً لتعزيز الاستقرار واحتواء التوترات.
فخامة الرئيس،
إن تجارب الدول تُظهر أن اللحظات المفصلية في مسارها السياسي غالباً ما تقترن بمبادرات شجاعة تعيد رسم معالم العلاقة بين السلطة والمعارضة. وإن استئناف التواصل المباشر والصريح مع من يُعدّ اليوم أبرز وجوه المعارضة لن يكون تنازلاً، بل تعبيراً عن نضج سياسي ورؤية استراتيجية بعيدة المدى.
إن خطوة من هذا القبيل ستكرّس نهجكم القائم على الانفتاح، وتؤكد أن قوة الدولة لا تتجلى في الإقصاء، بل في قدرتها على استيعاب التعددية ضمن إطار جمهوري جامع. كما ستبعث برسالة طمأنة إلى الرأي العام، مفادها أن القيادة واثقة من نفسها، وقادرة على إدارة الاختلاف دون توجس.
وفي سياق إقليمي مضطرب، حيث تشهد عدة دول تحولات عميقة، سيكون لتعزيز النموذج الموريتاني القائم على الاستقرار والحوار أثر إيجابي على مكانة البلاد. فترسيخ هذا النموذج يمرّ، بالضرورة، عبر إشراك مختلف الفاعلين، وخاصة أولئك الذين يحظون بثقل شعبي معتبر.
ولا يخفى أن بعض القضايا، وفي مقدمتها قضية الحراطين، تتطلب مقاربة سياسية منفتحة، تعترف بعمقها الاجتماعي وتعمل على معالجتها ضمن إطار وطني جامع. فإعادة فتح قنوات الحوار مع النائب بيرام الداه اعبيد من شأنها أن تسهم في إدماج هذه القضايا ضمن النقاش المؤسساتي، بدل أن تبقى عرضة للتوتر والتجاذب.
فخامة الرئيس،
إنكم تملكون اليوم من الرصيد السياسي والمؤسسي ما يؤهلكم لاتخاذ هذه المبادرة بثقة واطمئنان. كما أن أسلوبكم في الحكم، القائم على التوازن والحكمة، يمنحكم مصداقية خاصة في هذا المسار.
إن استئناف الحوار مع «أول المعارضين» ليس مجرد خطوة ظرفية، بل خيار استراتيجي من شأنه أن يعزز الوحدة الوطنية، ويدعم الاستقرار، ويرسّخ صورة موريتانيا كدولة قادرة على إدارة اختلافاتها بروح مسؤولة.
وعليه، فإنني أتوجه إليكم بهذا النداء، راجياً أن يتم إحياء روح الانفتاح التي طبعت بداية مأموريتكم، من خلال إعادة بناء جسور التواصل مع من يمثلون ثقلاً سياسياً حقيقياً في البلاد.
وتفضلوا، فخامة رئيس الجمهورية، بقبول فائق عبارات التقدير والاحترام.
اصنيب محمد/ أستاذ على مشارف التقاعد، صحفي