سد كاراكورو: مشروع بنية تحتية رئيسي يجب أن يقوم على الشفافية والتشاور

أحد, 14/06/2026 - 22:55

في جنوب موريتانيا، على الحدود بين ولاية كيديماغا وجمهورية مالي، شكّل نهر كاراكورو حياة المجتمعات المحلية الواقعة على ضفافه لأجيال. فهو ليس مجرد ممر مائي موسمي، بل يُمثّل العمود الفقري لمنطقة بُنيت زراعتها وتربية مواشيها وتنظيمها الاجتماعي حول فيضاناته وانحسار مياهه وموارده المائية.
وقد أثار الإعلان عن استئناف الدراسات المتعلقة بمشروع السد على نهر كاراكورو ردود فعل عديدة في المناطق المعنية، وخاصة في مقاطعة ولد ينج.
ووفقًا لعدد من الروايات التي جُمعت على أرض الواقع، فقد استقطبت عمليات الاستطلاع والمسح الفني الأولية اهتمام السكان، الذين يسعون الآن إلى فهم أهداف المشروع بشكل أفضل وتداعياته المستقبلية على بيئتهم وسبل عيشهم.
وتشير المعلومات الصادرة عن السلطات إلى أن مرحلة جديدة من تحديث وتوسيع الدراسات جارية حاليًا. وتهدف هذه المرحلة تحديدًا إلى تحديد الخصائص الفنية للهيكل المستقبلي، وتقييم آثاره البيئية، وإعداد الوثائق اللازمة لتنفيذ المشروع المحتمل.
بصفتي مهندسًا متخصصًا في جودة البنية التحتية والأعمال الهندسية، وأعمل حاليًا في سويسرا على مشاريع معقدة، لا سيما في مجال البنية التحتية والأعمال الهيدروليكية، ولكن أيضًا بصفتي من مواليد ولد ينج، أود أن أقدم مساهمة فنية ومدنية وبناءة في هذا النقاش.
نهجي ليس معارضاً ولا ذا دوافع سياسية. إنه قائم على قناعة بسيطة: المشاريع الكبرى تنجح عندما تتمكن من التوفيق بين الطموح التقني والحوكمة الرشيدة والتزام السكان المعنيين.
قد يُمثّل بناء سدّ فرصةً عظيمةً لولاية كيديماغا.
تواجه كيديماغا حاليًا تحديات هيدرولوجية كبيرة، إذ بات هطول الأمطار أكثر تذبذبًا، والجفاف أكثر تواترًا، وموارد المياه أكثر عرضةً لتأثيرات تغيّر المناخ.
عند هطول الأمطار، يتسرب جزء كبير من مياه الجريان السطحي بسرعة من حوض التصريف دون استغلاله بالشكل الأمثل. في المقابل، خلال موسم الجفاف، تواجه العديد من المجتمعات صعوبات في إمدادات المياه، سواءً للاستخدام المنزلي أو للأنشطة الزراعية والرعوية.
في هذا السياق، يُمكن لنظام إدارة المياه أن يكون محركًا حقيقيًا للتنمية. قد يُسهم هذا المشروع في:
• تأمين موارد المياه؛
• دعم الزراعة وتربية المواشي بشكل مستدام؛
• تعزيز قدرة المجتمعات على مواجهة مخاطر المناخ؛
• دعم التنمية الاقتصادية المحلية؛
• الاستخدام الأمثل لموارد المياه في حوض نهر كاراكورو.
بالنسبة لمنطقة يعتمد مستقبلها بشكل كبير على قدرتها على التكيف مع تغير المناخ، فإن هذا الاحتمال يستحق دراسة جادة ومنفتحة.
يتوقف نجاح المشروع على هذه المرحلة، خلال دراسة الجدوى.
ومع ذلك، تُظهر التجارب الدولية أن نجاح أي مشروع بنية تحتية لا يعتمد فقط على أدائه التقني أو تمويله.
إن أكثر المشاريع استدامة هي تلك التي تُراعي الواقع البشري والاقتصادي والبيئي للمنطقة منذ البداية.
وهذا هو تحديدًا دور دراسة الجدوى الحالية.
لا تقتصر هذه المرحلة على تحديد أبعاد المشروع أو تقييم جدواه التقنية فحسب، بل يجب عليها أيضًا تحديد المخاطر المحتملة، وفهم استخدامات المياه المحلية، وقياس الآثار المحتملة على المجتمعات الواقعة على ضفاف النهر بدقة.
نهر كاراكورو ليس مجرد ممر مائي، بل هو شريان حياة حيوي تعتمد عليه آلاف العائلات. تدعم ضفافه الأراضي الزراعية والمراعي والأنشطة الاقتصادية التي تطورت عبر الأجيال.
تمتلك المجتمعات المحلية معرفة قيّمة بهذه المنطقة، فهي على دراية بدورات الفيضانات، والمناطق المعرضة لها تاريخيًا، والقطاعات الزراعية الأكثر إنتاجية، والتوازن الدقيق الذي نشأ تدريجيًا حول النهر.
تشكل هذه المعرفة المباشرة بالأرض خبرة فريدة، وتمثل مصدرًا مكملاً وأساسيًا للمعلومات اللازمة للتحليلات الفنية التي تجريها الشركات الاستشارية.
الشفافية والتشاور: أدوات للنجاح، لا قيود
في المشاريع الحديثة الكبرى، لا يُعد التشاور مجرد إجراء شكلي، بل هو أداة حقيقية لإدارة المخاطر.
يُعدّ إعلام السكان المتضررين، وشرح أهداف المشروع، وعرض السيناريوهات المختلفة، أمورًا بالغة الأهمية.
في المشاريع الحديثة الكبيرة، التشاور ليس إجراء شكليا إداريا. إنه يشكل أداة حقيقية لإدارة المخاطر.
إن إعلام السكان المعنيين وشرح أهداف المشروع وعرض السيناريوهات المدروسة وجمع الملاحظات من السكان غالبًا ما يجعل من الممكن تحديد المشكلات في وقت مبكر جدًا والتي قد تصبح أكثر تعقيدًا لاحقًا.
وعلى العكس من ذلك، فإن نقص المعلومات يثير التساؤلات والمخاوف وعدم الثقة في بعض الأحيان.
وبالتالي فإن المرحلة الحالية من تحديث الدراسات توفر فرصة ذات أهمية خاصة: وهي فرصة بناء حوار شفاف بين السلطات ومكاتب التصميم والسكان المعنيين.
ومن شأن هذا النهج أن يسمح بما يلي:
• فهم التوقعات والمخاوف المحلية بشكل أفضل.
• دمج الحقائق الاجتماعية والاقتصادية للمنطقة في الدراسات.
• تحسين جودة الحلول المقترحة.
• تعزيز الثقة حول المشروع.
• تعزيز قبولها ونجاحها على المدى الطويل.
فرصة لإثبات الحوكمة المثالية
يحتاج كيديماغا إلى هيكلة الاستثمارات. إن التحديات المرتبطة بالمياه تبرر تماما استكشاف حلول طموحة.
لكن نجاح السد لا يقاس فقط بقدرته التخزينية أو خصائصه الفنية. ويقاس أيضًا بقدرتها على الحفاظ على سبل عيش السكان، وحماية التوازنات المحلية، وإنشاء علاقة ثقة دائمة بين المواطنين والمؤسسات.
يقدم مشروع كاراكورو اليوم فرصة فريدة لإثبات أنه من الممكن التوفيق بين التنمية الإقليمية والطموح الهيدروليكي ومشاركة المواطنين.
تحتاج موريتانيا إلى بنية تحتية حديثة لمواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين. لكن هذه البنى التحتية ستكون أكثر صلابة واستدامة إذا تم تصميمها بما يتناسب مع السكان الذين تهدف إلى خدمتهم.
لأن الماء منفعة عامة.
لأنه يحدد مستقبل الزراعة والثروة الحيوانية والأسر والأقاليم.
ولأن القرارات المتعلقة بإدارتها تستحق أن تتم بشفافية وحوار واحترام للواقع المحلي.
ممدو ابراهيم تَلاّ
مهندس متخصص في جودة البنية التحتية والمنشآت
متخصص في البنية التحتية في سويسرا
من مواليد ولد ينج (كيديماغا)