
اذا كانت الحكومة الموريتانية لا تستطيع العفو عن أبنائنا، فلتفتح لنا باب التواصل مع السفارة الفرنسية لطلب الصفح والاعتذار
بقلم: التجاني ولد سيدنا
أكتب هذه الكلمات بصفتي شقيق السجين سيد ولد سيدنا، وبعد ثمانية عشر عاماً من السجن، لا أقصد بها تبرير ما حدث، ولا التقليل من فداحة مقتل السياح الفرنسيين سنة 2007، فإزهاق الأرواح أمر مؤلم ومرفوض، ولكل ضحية حقه في العدالة.
لكن، بعد ثمانية عشر عاماً، يحق لنا أن نتساءل: إلى متى سيبقى سيد ولد سيدنا في السجن، رغم كل ما تغير؟
لقد أُدين سيد ولد سيدنا بالمشاركة في قضية مقتل السياح الفرنسيين، ولم تُسند إليه تهمة تنفيذ جريمة القتل بصورة مباشرة. وقبل أن تطلق الدولة الموريتانية الحوار مع السجناء السلفيين، كان قد كتب عدداً من المقالات والرسائل التي تدعو إلى الحوار ونبذ العنف، وهي منشورة وموثقة في مواقع إعلامية محلية.
وعندما أطلقت الدولة الحوار، شارك فيه سيد ولد سيدنا، وأعلن توبته ومراجعته الفكرية مع بقية المشاركين. وبعد انتهاء الحوار، صرّح الناطق باسم الحوار، محمد المختار ولد امباله، بأن الحوار حقق أهدافه، وأن المشاركين فيه راجعوا أفكارهم ولم يعودوا يشكلون خطراً على المجتمع. كما أعلنت الدولة أن هذا الحوار نجح في تحقيق غايته.
كما أبلغهم مدير أمن الدولة آنذاك أنهم سيُعادون إلى نواكشوط إلى حين استكمال إجراءات إطلاق سراحهم، إلا أن ذلك لم يتحقق حتى اليوم، ولا يزال سيد ولد سيدنا يقبع في سجن أنبيك.
واليوم، يعاني أخي من داء السكري، وأمراض القلب، وارتفاع ضغط الدم، وهي أمراض مزمنة تحتاج إلى متابعة طبية مستمرة. ورغم ذلك، أُعيد إلى سجن أنبيك، حيث الحرارة المرتفعة والظروف الصحراوية القاسية. وتُظهر صورة من داخل زنزانته أنه لا يستطيع الابتعاد عن المكيف بسبب شدة الحر، بعدما أصبحت حالته الصحية لا تتحمل تلك الظروف، وأصبح المكيف بالنسبة إليه ضرورة صحية لا وسيلة للراحة.
إننا نتساءل: إذا كانت الدولة قد أعلنت أن سيد ولد سيدنا لم يعد يشكل خطراً بعد مشاركته في الحوار وإعلانه التوبة، فلماذا لا يزال في السجن؟ وإذا تعذر الإفراج عنه، فلماذا لا يُنقل على الأقل إلى أحد سجون نواكشوط، حيث تتوفر الرعاية الطبية، ويتمكن من مراجعة الأطباء المختصين، وتستطيع أسرته زيارته بصورة منتظمة؟ إن هذا أقل ما يمكن تقديمه لسجين يعاني من أمراض مزمنة بعد ثمانية عشر عاماً من السجن.
ومن المعروف أيضاً أن برنار فاليرو، المتحدث باسم وزارة الخارجية الفرنسية آنذاك، أعلن خلال المؤتمر الصحفي لوزارة الخارجية الفرنسية بتاريخ 26 مايو 2010 أن فرنسا تعارض عقوبة الإعدام من حيث المبدأ وفي جميع الظروف. كما أُفرج عن عدد من زملاء سيد ولد سيدنا الذين شاركوا في الحوار، بينما بقي هو في السجن حتى اليوم، وهو ما يدفعنا إلى التساؤل عن سبب هذا الاختلاف.
إننا لا نطلب امتيازاً، ولا نسعى إلى تجاوز القانون، وإنما نلتمس العدالة والرحمة، ونؤمن بأن التوبة الصادقة والمراجعة الفكرية يجب أن تكون لهما آثار عملية، خاصة بعد كل هذه السنوات.
وإذا كانت الدولة الموريتانية ترى أنها لا تستطيع العفو عن من أُدين بالمشاركة في قضية مقتل السياح الفرنسيين، فإننا نرجو منها على الأقل أن تفتح لنا باب التواصل مع السفارة الفرنسية في موريتانيا، حتى نتمكن، بصفتنا أسر هؤلاء السجناء، من تقديم اعتذارنا وطلب الصفح عما اقترفه أبناؤنا. فنحن لا ننكر وقوع الخطأ، لكننا نؤمن بأن التوبة الصادقة، والمراجعات الفكرية، وثمانية عشر عاماً من السجن، تستحق أن تُقابل بفرصة للرحمة والمصالحة، وأن يُسمح لنا بإيصال رسالة اعتذار وطلب صفح إلى الجانب الفرنسي.
كما نناشد فخامة رئيس الجمهورية، والسلطات القضائية والأمنية، وجميع الحقوقيين والصحفيين والإعلاميين وأصحاب الضمائر الحية، أن ينظروا إلى هذا الملف بعين العدالة والإنسانية، وأن يراعوا الحالة الصحية لسيد ولد سيدنا، وأن يعيدوا النظر في وضعه، أو على الأقل نقله إلى أحد سجون نواكشوط حتى يتلقى العلاج وتتمكن أسرته من زيارته بانتظام.
إن العدالة لا تقوم على العقوبة وحدها، بل تقوم أيضاً على الإنصاف، والرحمة، وإعطاء الأمل لمن أعلن توبته، وراجع أفكاره، واختار طريق الحوار والسلام.





(3)(1).jpg)
.png)
.png)
.png)
.png)
.png)