مؤشرات على سوء تغذية حادة تطال 179 ألف طفل وفئات فقيرة

خميس, 15/01/2026 - 22:49

دقّت نتائج مسح التغذية والوفيات الدولي لعام 2025 ناقوس الخطر في موريتانيا، كاشفةً عن مؤشرات مقلقة تضع الأطفال والفئات الهشّة في صدارة التحديات الصحية والإنسانية.
ولا تُقرأ أرقام هذا المسح كما عرضتها ممثلة برنامج الغذاء العالمي في نواكشوط، بوصفها معطيات تقنية فحسب، بل باعتبارها إنذارًا مبكرًا يعكس حجم الضغوط المتراكمة على الأمن الغذائي، كما يعيد طرح أسئلة ملحّة حول فعالية السياسات العمومية وقدرتها على الاستجابة لتفاقم سوء التغذية في سياق اقتصادي ومناخي معقّد.
وأظهرت نتائج المسح التغذية أن نسبة سوء التغذية الحاد العام حوالي 12.9 في المئة، بينما بلغت نسبة سوء التغذية الحاد الشديد 2.1 في المئة بين مختلف الفئات، ما يضع موريتانيا ضمن نطاق الضغوط التغذوية الملحوظة وفق بيانات برنامج الأغذية العالمي في نواكشوط.
وأكدت إيلاريا مارتيناتو، مديرة برنامج الغذاء العالمي في موريتانيا، خلال افتتاح ورشة عمل نُظمت في العاصمة نواكشوط بحضور ممثلين عن الحكومة ومنظمات دولية، «أن ربع الأطفال تحت سن الخامسة يعانون من سوء التغذية المزمن ونقص النمو، وهو مؤشر يعكس استمرار الفجوة في النمو الصحي للأطفال دون سن الخامسة مقارنة بالسنوات الماضية، ما يثير القلق حول الصحة العامة والرفاهية للأطفال».
وجاءت هذه الأرقام ضمن عرض شامل لنتائج «الدراسة التشخيصية للبرنامج الوطني لمكافحة سوء التغذية»، التي تهدف إلى تقديم تشخيص دقيق للوضع القائم، وتحديد الثغرات في السياسات والتدخلات الميدانية، مع إبراز أهم التحديات والنجاحات على مستوى تنفيذ برامج الحد من سوء التغذية في مختلف المناطق.
وتأتي هذه النتائج بالتوازي مع جهود الحكومة الموريتانية في مواجهة تحديات الأمن الغذائي والتغذية، ضمن إطار الاستراتيجية الوطنية لتنمية التغذية 2025 -2035، التي تسعى إلى تحقيق مستويات مقبولة من الأمن الغذائي، وتحسين النفاذ إلى الغذاء الصحي، خصوصًا لدى الفئات الهشّة.
وأكدت أم كفة آمنش، المكلفة بمهمة في وزارة العمل الاجتماعي في موريتانيا «أن الاستراتيجية الوطنية تأتي كجزء من الخطة متعددة القطاعات بهدف رفع مستوى الاقتصاد لدى الأسر الفقيرة وتحسين النتائج التغذوية للأطفال والنساء الحوامل والمرضعات»، معتبرة «أن حماية هذه الفئات هي من أهم أولويات البرامج الإصلاحية الحالية، بما في ذلك البرامج المرتبطة بـ «برنامج طموحي للوطن» الذي أطلقه الرئيس محمد ولد الغزواني.
وتُكمل هذه الاستراتيجية، وفقا للمسؤولة الموريتانية، الجهود الحكومية التي تشهد تضافرًا واسعًا بين مختلف الوزارات المعنية، بما في ذلك وزارة العمل الاجتماعي والطفولة والأسرة، ووزارة الصحة، ومفوضية الأمن الغذائي، والمندوبية العامة للتضامن الوطني ومكافحة الاقصاء (تآزر)، مع دعم فني ومالي من شركاء موريتانيا الدوليين مثل برنامج الأغذية العالمي واليونيسف والمنظمات الإنسانية الأخرى.
وترتبط مشكلة سوء التغذية في موريتانيا بعوامل هيكلية تشمل الفقر، والتغيرات المناخية المتكررة، وضعف الإنتاج الزراعي، وضعف النفاذ إلى الخدمات الصحية الأساسية في بعض المناطق الريفية.
ووفقًا لبيانات برنامج الغذاء العالمي، فإن موريتانيا تتأثر بتقلبات مناخية تجعل أكثر من 590,000 شخص معرضين لانعدام الأمن الغذائي خلال مواسم الشح، ما يزيد من الضغط على الشبكات الاجتماعية والبرامج الوقائية.
وفي مؤشر مرتبط، توقعت تحليلات مستقلة عن حالات سوء التغذية الحادة لدورة 2025 – 2026 معاناة ما يقرب من 179,000 طفل بين 6 و59 شهراً من سوء التغذية الحاد خلال الفترة الممتدة بين تشرين الثاني / نوفمبر 2025 وتشرين الأول /أكتوبر 2026، وهو ما يعكس اتساع نطاق التأثير على الفئات الصغيرة.
وتواكب هذه المؤشرات نفسها خطة الاستجابة الوطنية 2025 التي أطلقتها الحكومة أمام شركاء التنمية، وتهدف إلى دعم أكثر من 1.2 مليون شخص في وضع هشّ، وتحسين النفاذ إلى خدمات الغذاء، والتقليل من مخاطر انعدام الأمن الغذائي من خلال تدخلات مباشرة تشمل التحويلات النقدية، وتوزيع الغذاء المجاني، وتعزيز سلاسل الإمداد الغذائي، مع دعوة لتعبئة موارد مالية كافية لضمان تنفيذ الخطة بشكل فعّال.
وأفاد القائمون على الورشة بأن الهدف الرئيسي من النقاشات والاستعراضات ليس فقط عرض الأرقام، بل تحويل التوصيات التشخيصية إلى إجراءات ملموسة على الأرض، من خلال تحسين جودة الخدمات المقدمة في مراكز التغذية المجتمعية، وبرامج التحصين والتوعية الغذائية، بالإضافة إلى تعزيز تكامل السياسات مع قطاعات مثل الزراعة، التعليم، والصحة لضمان استدامة النتائج.
ومما كشفت عنه هذه المؤشرات أن معركة موريتانيا مع سوء التغذية لم تُحسم بعد، وأن الانتقال من التشخيص إلى الفعل الميداني أصبح ضرورة ملحّة لا تحتمل التأجيل؛ فحماية الأطفال والنساء، وتعزيز صمود الأسر الفقيرة، تتطلبان تنسيقًا أوثق بين القطاعات الحكومية، ودعمًا دوليًا مستمراً، والتزامًا سياسيًا يترجم إلى سياسات فعّالة تضع صحة الإنسان في قلب أولويات التنمية خلال السنوات القادمة.